عمر فروخ

400

تاريخ الأدب العربي

إذا كاد ينساها الفؤاد ذكرتها ، * فيا لك ما عنّى الفؤاد وعذّبا « 1 » . غدا في هواها مستكينا ، كأنه * خليع قداح لم يجد متنشّبا « 2 » . بعينيك زال الحيّ منها لنيّة * قذوف تشوق الآلف المتطرّبا « 3 » . وقد طال ما علّقت ليلي ، معمّدا ، * وليدا إلى أن صار رأسك أشيبا « 4 » . رأيتك من ليلى كذي الداء لم يجد * طبيبا يداوي ما به فتطبّبا « 5 » . فلمّا اشتفى ممّا به كرّ طبّه « 6 » * على نفسه من طول ما كان جرّبا . - وقال في النسيب والحماسة والحكمة ، وهو في سجنه ( الزهرة 357 ، معجم الشعراء 461 ) : يجدّ النّأي ذكرك في فؤادي * إذا وهلت على النأي القلوب « 7 » . وقد علمت سليمى أن عودي * على الأحداث ذو وتد صليب « 8 » . عسى الكرب الذي أمسيت فيه * يكون وراءه فرج قريب : فيأمن خائف ويفكّ عان ، * ويأتي أهله النائي الغريب « 9 » . - وروى أبو تمام لهدبة بن خشرم أبياتا في الحماسة : وإني من قضاعة ، من يكدها * أكده ؛ وهي منّي في أمان « 10 » .

--> ( 1 ) - وكلما أراد قلبك أن ينساها عدت فذكرتها له وذكرته بها . فلله منك كم تعذب قلبك بها . ( 2 ) مستكينا : خاضعا ذليلا . خليع قداح : ( لعله الذي أضاع جميع ماله في القمار ) . المتنشب : الطعام القليل الذي يسد الرمق . في القاموس ( 1 : 132 ) : انتشب طعاما : لمه . ( 3 ) علقت ليلى : تعلقت بها ( أحببتها حبا لا تستطيع بعده فراقها ) . المعمد ( بضم الميم الأولى وبتشديد الميم الثانية وفتحها ) الذي هده العشق ( القاموس 1 : 317 ) . ( 4 ) بعينك : أمام عينيك ، وأنت شاهد أو حاضر . زال الحي : انتقل الحي ( أهل الحبيبة ) لنية ( مقصد ، مكان ) قذوف ( بعيد ) . تشوق ( وهي تشوق : تثير الشوق في قلب ) الآلف ( المحب ) المتطرب ( المتغني . - وهنا : الشخص الذي تثيره مظاهر الحسن ، لأنه لا يزال شابا أو لا يزال يسلك سلوك الشبان ) . ( 5 ) تطبب : طبب نفسه ( وليس هذا المعنى في القاموس - راجع 1 : 96 ) . ( 6 ) لما نفعه ما كان قد طبب به نفسه ( لنسيان المحبوب ) أصبح يكرر استعمال هذه الطريقة التي كان قد اختبر صحتها بطول التجربة . ( 7 ) يجد : يجدد . النأي : البعاد . وهلت : ضعفت ، فزعت والمقصود هنا : وهلت عنه : نسيته . - ان البعد عن المحبوبة يجدد ذكرها في قلبي ، مع أن العادة هي أن ينسى الانسان محبوبه إذا ابتعد عنه . ( 8 ) ذو وتد : ثابت ( كأنه مرزوز في الأرض ) . صليب : شديد . - ان نفسي صبور على مصائب الأيام . ( 9 ) العاني : الأسير ( وهنا : المسجون ) . يفك عان : يطلق سراحه . النائي : البعيد ( المسافر سفرا بعيدا ) . ( 10 ) من أراد لقضاعة الشر أردت أنا له الشر ( جازيته بالشر على شره ) . ثم لا أريد بها هي شرا ( ولو اعتدى علي أحد من أفرادها ) .